هل كان دور إعلامنا مقنعاً تجاه الأحداث التي مرت بمنطقة العيص؟
كنت أتمنى من خلال هذه المشاركة أن تسهم لكي تفعل هذه المدونة لممارسة أدواراً أكثر إيجابية من خلال طرح مواضيع تثقيفية وأطروحات تسهم في زيادة منسوب الوعي لدى المجتمع في التعامل مع مثل هذه القضايا بشكل متزامن مع ما يبث في المنتديات من الأخبار والحقائق والتي إذا ما عرضت مجردة قد تتلقاها أنفس ضعيفة لم تتهيأ لمثل هذه المواقف فيدب الهلع والخوف ومن ثم يحدث ما لا تحمد عقباه وكلي ثقة بالقائمين على هذه المنتديات ومدى حرصهم وتفاعلهم وتفانيهم لكل ما فيه مصلحة لأمتهم ووطنهم ومجتمعهم وأعاتب عتاباً أخوياً ممن وصفهم بأنهم ممن يحرص على الحماس وكثرة الزوار أو أي أمور أخرى مما يجرح مشاعر البعض وإن كنت لا أزكي أحداً تزكيةً مطلقة لكن معرفتي الشخصية ببعض القائمين على شئون بعض هذه المنتديات تحدوني لمثل هذا الكلام، فكان من الأولى أن نوجه الجميع توجيهات عامة للأصلح دون توجيه التهم للأشخاص.
ولنتريث قليلاً ونسترجع شريط الذكريات خلال الأيام الماضية، فمما لا شك فيه أن التحفظ الإعلامي كان أمراً ملحوظاً ومشاهداً لدى كل من تابع الأحداث خاصةً ممن يقطن في المناطق المعنية بالحدث وما جاورها مما أدى إلى أن يكون المصدر الأول لتبادل الأخبار هو المنتديات ورسائل الجوال في ظل شبه تغييب للحدث بل وصل الأمر عند بعض المراسلين الاستهتار والتشكيك في الأخبار المتداولة بين أهالي المنطقة ووصفهم بالمبالغة والخوف الزائد (الهلع)، وسبق أن تطرقت في موضوع طرحته من قبل في أكثر من منتدى عن قضية الهلع والخوف لدى الإنسان فالإنسان خلق بطبعة هلوعا (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا)، والهلع يعتبر ويصنف من جملة الخصال النفسية أو الشخصية غير المحمودة والمتأصلة فيها، ويأتي من ضعف البنية العصبية للإنسان عموماً من الناحية الفسيولوجية ومن ضعف الثقافة الفكرية وعدم المعرفة بحقائق الشدائد التي تحيق بالشخصية أو ظروف وملابسات المشاكل. ومن البديهي أن يقل الهلع والخوف نسبياً عند الإنسان إذا ما قُدّر له أن يطلع على حقائق تلك الشدائد والمشاكل والمحن وتحليلاتها الأصولية، ولكنه أي الهلع يبقى سمةً من سمات شخصية الإنسان الضعيف.
وإن من أكثر الأمور إسهاما في التخفيف من وطأة صفة الهلع المصاحبة للنفس البشرية هي العلم والمعرفة بحقائق الأمور. ولعل غياب مثل هذا الدور كان من الأسباب الرئيسية لانتشار الأخبار والشائعات بالشكل الذي أزعج البعض وأقض مضاجع البعض الأخر.
ومن هذا المنطلق أحببت أن أقف بعض الوقفات مع الأحداث الراهنة حتى نخرج منها بفائدة تعود علينا وعلى الجميع بالنفع والخير، واستدراك ما يمكن استدراكه بإذن الله:
الوقفة الأولى: هل كان دور إعلامنا مقنعاً؟
يحق لي أن أتسائل من خلال هذه المشاركة أين دور إعلامنا في التهيئة النفسية والتوعوية لأهالي المنطقة من خلال استضافة و تفعيل دو الخبراء والأخصائيين النفسيين ومن خلال التغطية الإعلامية التي تتناسب مع حجم الحدث. على الأقل مما يشعرني ويزيد قناعتي أن الحدث ذو درجة من الأهمية مستوى الحراك والاستنفار الذي حدث على الصعيد الرسمي وعلى مستوى القرارات العليا التي صاحبت الأحداث فمن وجهة نظر شخصية لا أجدها تتقارب مع مستوى الاهتمام الإعلامي المصاحب.
كما كان من الواجب على قنواتنا أن تمارس أدواراً أكثر إيجابية من التطمين والتهوين بل أكثر من ذلك وأكثر إيلاماً ألا وهو وصف أهالي المنطقة بالمبالغة والخوف الزائد وهذا الوصف محصور في الإعلاميين الذين تحدثوا في الموضوع لكن في المجمل هم من يمثل إعلامنا في الوقت الراهن. فالتباين كان واضحاً للجميع في تغطية مقارنةً بأحداث أخرى سبقتها، أم أن الحدث ليس له أهمية تقارن بالأتربة التي غطت العاصمة وبعض مناطق المملكة على سبيل المثال فكم انبرى من إعلامي ليكيل التهم تارةً للدفاع المدني، وتارة لمراكز الأرصاد، ومع أني لا أستعجل الأحداث ولست هنا لأطالب بهذا السيناريو الإعلامي التسويقي البحت والذي لا يخدم المصلحة العامة كما أني أرى ومن وجهة نظري الشخصية أنه لا يمثل أسلوبا صحياً نتعامل فيه مع المواقف والأحداث. فقطع حبال الإشاعات والأخبار الكاذبة يكون من خلال الشفافية والوضوح ،أو من خلال التهيئة النفسية وإعطاء ملامح ولو جزئية لحقيقة الواقع والاستفادة من التجارب الإعلامية العالمية التي اعتادت على مثل هذه الأحداث.
كما أحب أن أتسائل وأطالب في نفس الوقت أين التغطية المصورة والمباشرة لأرض الحدث فكم أشفقت على أبنائي ونحن نتابع قنواتنا الإخبارية وهم يتسابقون في تذكر الصور المكررة فتارة يخبرني صغيري “الآن سوف تمر سيارة جيب لونها أبيض عند هذا التقاطع”!!؟ ولست بحاجة أن أخبركم أن سبب ذلك أن مقطع الفيديو يكرر منذ أسبوع أليست طائرات الرصد مزودة بكاميرات!! على الأقل نريد أن نرى جبل الشاقة أو صوراً مباشرة أو متجددة لموقع الحدث، حتى يزول الشك باليقين.
الوقفة الثانية: من لم يشكر الناس لا يشكر الله
إن ما بذل من جهود واستعدادات كان أمراً لا يمكن أن يغفل عنه إلا إنسان حاقد أو ناقم على هذه البلاد، وإن المواقف الرائعة التي سجلت خلال هذه الأحداث ليحق لنا أن نتفاخر بها أما العالم أجمع. فالحرص على أخذ الاحتياطات المسبقة، والحرص على سلامة المواطن كان أمراً واضحاً وجلياً للعيان. وهذا مما يوجب شكر النعمة التي أنعم الله بها علينا في هذه البلاد من أمن وأمان، أسأل الله أن يحفظ علينا أمننا وأماننا.
الوقفة الثالثة: أن نتأمل قبل أن ننقل الأخبار ونذيع بها
يقول المولى عز وجل: ((وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا))(النّساء 83). قال بعض العلماء: ((لأن يسكت العاقل مختارا في وقت يحسن السكوت فيه خير من أن ينطق مختارا في وقت لا يحسن الكلام فيه)).
وقال العلامة عبد الرحمن بن السعدي رحمه الله: هذا تأديب من الله لعباده ، عن فعلهم هذا ، غير اللائق [أي إذاعة الأخبار]. وأنه ينبغي لهم، إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة، والمصالح العامة، ما يتعلق بالأمن، وسرور المؤمنين، أو بالخوف الذي فيه مصيبة عليهم، أن يتثبتوا، ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر. بل يردونه إلى الرسول، وإلى أولي الأمر منهم، أهل الرأي، والعلم والنصح، والعقل، والرزانة، الذين يعرفون الأمور، ويعرفون المصالح وضدها.
فإن رأوا في إذاعته مصلحة ونشاطا للمؤمنين، وسرورا لهم، وتحرزا من أعدائهم، فعلوا ذلك. وإن رأوا أنه ليس فيه مصلحة، أو فيه مصلحة، ولكن مضرته تزيد على مصلحته، لم يذيعوه.
ولهذا قال : ((لعلمه الذين يستنبطونه منهم)) أي : يستخرجونه بفكرهم وآرائهم السديدة ، وعلومهم الرشيدة.
وفي هذا دليل لقاعدة أدبية ، وهي أنه إذا حصل بحث في أمر من الأمور، ينبغي أن يولي من هو أهل لذلك، ويجعل إلى أهله، ولا يتقدم بين أيديهم، فإنه أقرب إلى الصواب وأحرى للسلامة من الخطأ.
وفيه النهي عن العجلة والتسرع، لنشر الأمور، من حين سماعها. والأمر بالتأمل قبل الكلام ، والنظر فيه، هل هو مصلحة، فيقدم عليه الإنسان، أم لا؟ فيحجم عنه؟
ثم قال تعالى : ((ولولا فضل الله عليكم ورحمته)) أي : في توفيقكم ، وتأديبكم ، وتعليمكم ما لم تكونوا تعلمون . ((لاتبعتم الشيطان إلا قليلا)) لأن الإنسان بطبعه ، ظالم جاهل ، فلا تأمره نفسه إلا بالشر.
فإذا لجأ إلى ربه، واعتصم به، واجتهد في ذلك ، لطف به ربه ، ووفقه لكل خير ، وعصمه من الشيطان الرجيم .اهـ كلامه رحمه الله.
وقال الإمام الحافظ ابن كثير رحمه الله: “وقوله: ((وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به)) إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها فيخبر بها ويفشيها وينشرها, وقد لا يكون لها صحة”.
وقد قال مسلم في مقدمة صحيحة: عن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال: ((كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع))… وفي الصحيحين, عن المغيرة بن شعبة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, نهى عن قيل وقال. أي: الذي يكثر من الحديث عما يقول الناس من غير تثبت, ولا تدبر, ولا تبيّن. اهـ بتصرّف.
وقال الإمام القرطبي رحمه الله: ((والمعنى أنهم إذا سمعوا شيئا من الأمور فيه أمن نحو ظفر المسلمين وقتل عدوهم ((أو الخوف)) وهو ضد هذا ((أذاعوا به)) أي أفشوه وأظهروه وتحدثوا به قبل أن يقفوا على حقيقته)). اهـ وقد قال عليه الصلاة والسلام ((كفى بالمرء إثماً أن يُحدّثَ بكلّ ما سمع))
والواقع يقول أنه من الصعب التخلص من حالة الخوف والهلع ونشر الشائعات من خلال مطالبة الآخرين فقط بتثقيفنا ورفع مستوى الوعي لدينا، بل ينبغي أن يسهم كلً منا في توطين نفسه ورعايتها حتى لا تكون مستودعاً للشائعات والأكاذيب ومن ثم مصدراً لها.
ودمتم ودام الجميع بحفظ الله ورعايته
كتبه: أسامة بن عبدالعزيز الوسيدي












