أنقذوا إنسانيتنا قبل أ ن نحترق(1)..!

وتقول لي أعمل مخيلتك وأبدع وأت لنا بالجديد!؟

15922

كنت أتداول بعض الأفكار والقضايا مع صديق لي عبر الماسنجر، حيث كان الرجل يمر بضغط نفسي عصيب من جراء بعض الأحداث في عمله وتبين لي أنه ممن دخل في دائرة الاحتراق الوظيفي والتي بدأت وبكل أسف تتسع في عالمنا العربي لتأكل في طريقها الأخضر واليابس.

يقول لي* أحد هؤلاء الموظفين المتميزين: “ثمة جملة معطيات يستقيها الفرد من بيئة العمل المحيطة به تثير العديد من التساؤلات والاستفهامات التي تلح على مخيلتي كموظف وتتفاقم حتى أورثت بعض الضغوط النفسية  والفكرية التي أصبحت تشكل حجر عثرة في طريق الإبداع والتميز الوظيفي والذي كان ديدناً لي لا أرضى به بديلاً كيف لا وأنا من كنت أروي للناس طرق تجاوز العقبات والتعايش مع ضغوط العمل!”

ويقول آخر: “رغم احترامي لقرارات رؤسائي وتقبلي لها حتى وإن خالفت رأياً أراه دون اعتبارات شخصية تسوقني لهذا الرأي أو ذاك سوى مصلحة العمل، سواءً كان القرار على شكل مهمام أكلف بها أو أعمال توكل لي لأنجزها، فلا مجال لمناقشة رؤية أو إستراتيجية قسم أو مشروع في منطقة محظورة على أصحاب الفكر المستنير غير متاحة إلا لمن يجيد لغة التصفيق والتأييد!”.

لا أتحدث هاهنا عن مصلحة عمل أو قطاع، أو تطبيق أنظمة ولوائح، فالحديث حولها ذو مسار آخر..! إنما أتحدث من منطلق إنساني بحت، وإن كنت أخشى من تلك المخيلة التي تتقن تبرير ورفض كل موقف مخالف لرأيها ضاربةً به عرض الحائط (ما أريكم إلا ما أرى). غير آبهة بمنطقية هذا التبرير بل أنها تطالب صراحةً في بعض الأحيان النادرة بعدم عقلنة القضايا وأن الأمور الإدارية ليست مسائل حسابية أو أمور فقهية.

ويقول محترقُ آخر مخاطباً مديره: “سيدي لقد أسدلت الستار على مخيلتي ووأدت بذرة المبادرة التي كانت تزهر طوال العام حين مارست سلطتك في التفريق بيني وبين زملائي في التعامل وأنت مدرك وأول من يشهد بكفائتي في عملي وإتقاني له وأني أكثر من تثق فيه لإنجاز هكذا أعمال وإذ بي أجد أن مكافأتي هي تشريدي بين الأقسام والمهام فأنا لاأنتمي لهذا القسم ولا إلى ذاك وكل مهمة ليس لها صاحب فأنا خير من توكل إليه. بينما أرى التمييز لذلك الزميل الذي لا يجيد من العمل سوى الجلوس على الكرسي والتصفيق والتهليل باسم المدير… لدرجة أنني أكاد أجزم أنه لا يتقن من المهارات التي تخوله بالبقاء على كرسيه سوى إجادته لحركة كفيه الأفقيتان وحركة رأسه الرأسية”.

إن غرض التنمية الإنسانية لا ينحصر في التوسع الكمي والعمراني بل في توسيع خيارات الإنسان من خلال ممارسته لجميع حقوقه الأساسية، وصون أمنه في القطاعات المحورية التي تضمن رفاهيته في مجالات عدة منها: (الاقتصاد، والتغذية، والصحة، والمهارات الفردية، والحماية، والمعرفة)، مع تفعيل مشاركته في مختلف المسارات المدنية والأهلية والسياسية.

كما أدركت الأمم اليوم أن من أساسيات التنمية الإنسانية بالمفهوم الجديد التركيز على العامل الثقافي بصفته محوراً وقاعدة للتنمية الإنسانية بمفهومها الشامل والمتكامل، من خلال إدراكها لحقيقتين هامتين: 

أولاهما: ما تقرر من كون المعرفة هي أداة ومعيار الاقتصاد الجديد القائم على البنى الاتصالية والذكاء الاصطناعي. 

ثانيهما: مراجعة مسلمة اختزال التنمية في النمو الكمي الذي يتصل بزيادة الثروة والتوسع في الإنتاج.

وذلك يستوجب من القائمين على المشاريع التنموية إذا ما أرادوا لها أن تلامس أرض الواقع وأن يكتب لها النجاح التأكيد على جملة من الأمور:

- أن توضع الحقوق الإنسانية في قلب الرؤية الإستراتيجية لهذه المشاريع وذلك بتعزيز البعد الأخلاقي والشعور بالمسؤولية المشتركة من جميع الأطراف.

- السهر على حماية الأمن البشري، خاصة في حالات الأزمات الاقتصادية.

- الحد من العوامل المؤدية إلى اختلالات واختراقات الأمن البشري.

- حماية البيئة.

- حماية التنوع الثقافي.

- الحفاظ على مقومات الهوية الوطنية في صياغتها الإسلامية. لأنه عندما نصوَّر وفق نماذج لاتمتُّ إلينا بصلة فإن ذلك لن يخدم إلا غاية واحدة: هي أن نغدو مجهولين أكثر، وأقل حرية، وأشد عزلة.

وقد أكد إعلان ستكهولم (1988) على جل هذه المبادئ، مركزاً على جملة أهداف محورية، تبنتها المجموعة الدولية، وشكلت إطاراً للسياسات الثقافية للدول الأعضاء في منظمة اليونسكو.

كتبه: أسامة بن عبدالعزيز الوسيدي


·هذه النقولات من نسج خيال الكاتب استقاها من رصد ميداني يتعايش معه كأي موظف في أي قطاع.


تعليقات »

  1. Turki Alwasaidi يقول:

    Abo Ahmed Wafaqak Allah. Really, it’s a great topic

  2. محمد العوفي (ابووليد) يقول:

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    اخي الحبيب أبو احمد
    *اشكرك على موضوعك الجميل والهام في زمن اللامصداقية إلا ما رحم الله
    *قلت في مدونتك :( (أن من أساسيات التنمية الإنسانية بالمفهوم الجديد التركيز على العامل الثقافي بصفته محوراً وقاعدة للتنمية الإنسانية بمفهومها الشامل والمتكامل)) وهذا صحيح .
    *من وجهة نظري لاياتي هذا إلا من خلال التأسيس القوي والمتكامل والصادق في مضمونه للعملية التعليمية بكل مراحلها؛بمعنى اوضح أن الأمانة العملية والصدق في التعامل الذي يفتقده الموظف في عمله لا بد من غرسه في روح المتعلم من خلال مسيرته التعليمية .
    *(مقولة ليست جديدة )في نظر الكل , معكم في هذا ولكن أين الحل ؟ اقصد أين العمل على تطبيق ما نؤمن به .
    *لا اريد الإطالة لأن الموضوع واضح ويحتاج للعمل فقط .
    *اخيراً نريد أمة تعمل ,
    *والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

  3. وسيم يقول:

    السلام عليكم

    بارك الله فيك أخي الكريم , وجزاك الله خيراً , فعلا موضوع جدير بالاهتمام
    و الدراسة , ولاحول ولاقوة إلا بالله

    بوركت وشكراً جزيلاً

  4. ابو حمزة يقول:

    ان وعينا مشغول جدا بلقمة العيش والحصول على المزيد من المال والجاه والنفوذ, وقد نسينا ان نشاطنا المحموم هذا أشبه بزوبعه في فنجان, ونسينا اننا هنا بصفة مؤقتة وان الصفة الحقيقية لنا انن عابرون إلى الدار الآخرة, وكل ساعة تمر تقربنا منها لكن دون ان نحسب حساب ذلك وهذا ماأراده صلى الله عليه وسلم حين قال ” كن في الدنيا كأنك غريب او عابر سبيل ”
    اخي وزميلي اسامة, عن نفسي فأنا بكل صراحه ضعيف في التعبير او فقير في التركيب كما يقولون, ولكن هذه رسالة وصلتني من أحد الاخوان وعندما تأملتها وتأملت ماقاله عليه الصلاة والسلام استفدت منها ولله الحمد في امور كان تشغل بالي كثيرا.
    اتمنى ان تنال مشاركتي اعجابكم وان تمررها الى صديقك وشكرا لكم.

  5. السلام عليكم أبو أحمد مشتاق لك بقوه
    موضوعك أكثر من رائع وأتمنى لك التوفيق وأعتقد أن هناك أسباب لهذه الظاهرة الخطيره لعل من بينها :
    - غيب مفهوم الخدمة المجتمعية لدى الموظف بدون مقابل محسوس
    - النزعة لرفض مفهوم العمل لمجرد الرغبة في عدم الالتزام الوظيفي وممارسة العمل بشكل آلي فقط
    - سوء النظام الإجتماعي لمعظم الموظفين فلا نظام ممارس في حياته خارج نطاق العمل لذلك ينكره وينفر منه
    - فقد روح الإدارة الناجحة لدى القادة الميدانيي مما إنعكس على موظفيهم بعدم القبول والنزعة لعدم الإتقان
    - تناقل وتداول الخبرات السيئه بين الموظفين بقصد وبدون قصد
    - الضعف الثقافي العام خارج نطاق المسؤليات لدى معظم الموظفين
    وغير ذلك كثير ولكن هذا ماتيسر به الوقت ودمت أبو أحمد

  6. [...] أنقذوا إنسانيتنا قبل أ ن نحترق (1)..! [...]

  7. اكليل الورد يقول:

    عزيزي الاستاذ اسامة

    كلام رائع فعلا هذا الشيئ الحاصل في المجال الوضيفي من التعامل وكسر النفوس

    لدرجة التفرقة في التعامل بين الموضف الكفوء والغير منظبط في عملة وسوء التعامل معهة لدرجة وان كان اكبر منه سناَ فليست عندهم الخشية ففي هذي الامور تتفشى الفتنة بمعنى (( نقل الحكي )) هو اللذي يثير هذا الجدال على الموضفين

    ففي هذي الايام التي نعيشها وضع الشخص في المكان الغير مناسب بمعنى

    تخصياتة ومستواياتة العلمية بعيد جدا عن المجال الوضيفي الذي يقوم بة

    فعلا موضوعك جدير جدا بالاهتمام والوعي الازم

    فبورك قلمك

    الذي ببهائه يزهيني

    كانت هنا

    اكليل الورد


{ RSS feed for comments on this post} · { عنوان التتبع }

أترك تعليقا