الطحالب الإدارية: الدوافع والتبعات

سلوكيات الطحالب الإدارية: الدوافع والتبعات 

طحالب

طحالب

  المصدر: د . محمد مرعي

 تنمو الطحالب في بيئة المياه غير النظيفة، ويزداد انتشارها كلما قلت نظافة المياه، وتكبر وتشتد خطورة حينما لا يتم مكافحتها.

وتلك الطحالب تعتاش على قوت غيرها, وينحصر دورها في الاستهلاك والتخريب والأذى وذلك على حساب الآخرين. لكن مهما نمت الطحالب وتضخمت وخربّت وآذت تبقى المياه جارية وستجري باستمرار على الرغم من الإعاقات التي تحصل في مجرى سيرها وتدفقها.

يحصل ما سبق في عالم النبات غير الواعي أو المدرك ، ويتم بدوافع فطرية لا يدخل التفكير فيها.

لكن، هل يحصل ذلك في عالم الإنسان ، المفكّر والواعي والمتبصر بدوافع الأمور وعواقبها، نعم يحصل ، بل ويحصل بمنتهى صور التعّمد والإصرار ، والتفكير والتصميم المسبق.

وطالما لا تعيش الطحالب النباتية  في المياه العذبة والنظيفة الرائقة، كذلك لا تعيش الطحالب البشرية في البيئات السليمة حيث لا تجد لها وكراً صغيراً تلتصق به وفرائس تتغذى منها وجدرانا تتسلق عليها.

دوافع السلوكيات الطحلبية

يبدأ الإنسان حياته بالفطرة، ولا يرث نوازع الخير المطلق أو الشر المطلق ، وبعيداً عن إطروحات علماء النفس وسجالاتهم حول العوامل الوراثية والبيئية فإن المولود هو صفحة بيضاء ناصعة يتم النقش فيها تبعاً لمتطلبات الواقع وتطلعاته وظروفه المتعددة. وبالعودة إلى الطحالب الإدارية، ما دوافع نشوئها ونموها وتكاثرها؟

عندما يكبر الأطفال ، تتوضح فيما بينهم الفروق الفردية، وتتكرس ترجمتها في التحصيل الدراسي أو المهني، وتبدأ انعكاساتها على مستقبل كل شخص ومصيره.

وحين يشعر البعض بأن قدراتهم وكفاءاتهم أقل من أقرانهم فإنهم يلجؤون إلى السلوك التعويضي الذي قد يحقق لهم مزايا( من وجهة نظرهم) تفوق ما يمتلكه غيرهم من كفاءات عكستها قدراتهم الفردية، وهؤلاء الذين يشعرون بضعف قدراتهم يبدأون بالبحث عن الثغرات والثقوب التي ربما إن دخلوا فيها قد يحققون ما يتطلعون إليه.

وهكذا ينطلق السلوك الطحلبي لديهم، بتعزيز الروح الانتهازية والانتفاعية من ثقوب الدهر والزمان والظروف، ويتحينون التوقيت اللازم والمواقع اللازمة للتقرب منها واختيار أوكار صغيرة يلتصقون بها, ثم يتمددون تدريجياً كلما سنحت الفرص إلى حيث يشغلون مواقع كبيرة وبالطبع ملوثة.

هذا السلوك الطحلبي، يتجلى في الإدارات وبيئات العمل بشكل ظاهر إذ يتجه من يشعر بالضعف وعدم القدرة وتدني الكفاءات إلى البحث عن موقع / ملجأ صغير، ينفذ منه، ويلتصق به، ويضخ فضلاته في مكانه، وينظر حوله، ويبدأ بالتوسع، ويتلمس أمثاله ومواقعهم، ويتحسس سبل الوصول إليهم، ويمدّ يديه للتمسك بأيديهم وتلك الأيدي الطحلبية تتشعب أيادي وأصابع وتلك بدورها تزداد انتشاراً مستفيدة من مناخ مشجّع جدرانه أوكار صغيرة وقنواته غير نظيفة وساحاته تخلو بالتدريج من الصفاء والنقاء.

بعد ذلك، تتحول الطحاليب الصغيرة إلى طحالب حيتانية وتفرز صملاخاً مجرثماً يسيل في كافة أركان المؤسسات والإدارات ، ويجذب إليه أفراخ الطحالب  التي تتغذى عليه وتسمن، ثم بدورها تفرز صملاخها الملوث باتجاه الأدنى ، وتنجذب إليه أفراخ أخرى تتغذى بدورها عليه وتتضخم وهكذا إلى أن تصبح جدران المؤسسات وساحاتها ومكاتبها وممراتها مملوءة بالطحالب تتضخم وتتوسع على حساب البقية التي تتضاءل لأن العذوبة اضمحلت والصفاء قد أوشك على الزوال.

تبعات سلوك الطحالب الإدارية

عندما تتمكن الطحالب الإدارية من الإمساك بمعاقل العمل المؤسسي والإداري فإنها تغدو سيّدة المؤسسات، تعكرّ متى أرادت وتخرب ما ترغب بتخريبه وتهلك ما تريد إهلاكه.

وكسلوك طبيعي، لا ترتضي الطحالب الإدارية العودة إلى شكلها السابق، وإعادة المؤسسات إلى أحواض مياه عذبة نقية لأنها تعتبر مسيرتها السابقة كابدها العناء والجهد وهذا له ثمنه الغالي فهي ستستمر في نموها وتضخمها حتى على حساب كل شيء.

وعندما تتجسد تلك السلوكيات الإدارية في المؤسسات فإن التخريب المتعمد يصبح مسار الحياة اليومية والإساءة والأذى هو الطعام المفضل ، والضرر والقتل هو الفاكهة بعد الطعام.

بالطبع، ستعيش تلك الطحالب البهجة والسرور والمتعة طالما استمرت الأوضاع على ما هي فيه وطالما دامت بيئة العمل غير النظيفة، وعندئذ سيعّم السوء والدمار المتدرّج الذي لن يفني أعداء الطحالب فقط بل سيمتد إليها في النهاية.

إن سلوك الطحالب الإدارية المؤذية والضارة لا يقف عند حدّ، وتبعاته تمتد إلى كل ما يحيط بها من مؤسسات وبنى تحتية وتجهيزات وقوانين وأنظمة وأموال ومواد وعناصر بشرية وكل شيء. لكن تلك الطحالب الإدارية لن تبقى بمعزل عن المكافحة, وحين يزداد تدفق المياه فإنها شروشها تتفكك وتبدأ بالتخلخل وبالتالي الانهيار، ولعّل أفضل وسيلة لمكافحتها زيادة ضخ المياه تجاهها لإزالتها ومن ثم تنظيف مكانها وبالتالي تعقيم ذلك المكان كي تصبح أثراً بعد عين.

إن المياه الجارية ستبقى جارية، ومهما نما على حوافها من طحالب ضارة فإن الماء سرّ الحياة وعامل البقاء والنظافة ، وهو الكفيل لتخليص المؤسسات والبشر من تلك الطحالب.

أترك تعليقا