قاعدة فتح الذرائع لها أهمية سدها..استبقاء الشباب في دوائر التعصب تباعده عن عقله..لتقدم الفضائيات الأفكار لا الأشخاص

د.محمد العبدالكريم
أمير سعيد | 12/10/1430
سعياً وراء مقاربة عقلية لفهم قضية فقه المقاصد، وتأثيرها المصيري على أنماط السلوك والتفكير عند نخبتنا العلمية، ووقوفاً على أهمية إعمالها في حاضر المسلمين ومستقبلهم، ورغبة في فك الاشتباك بين النازعين باتجاهي التفريط والتفريط في مسألة علاقة العقل بالنقل، وتسديداً للمفاهيم الدائرة حول هذه المعاني لاسيما ما يتعلق فيها بعلم الأصول، والعقائد..
ثم الحاجة للنظر إلى عالم الإعلام الإسلامي بقدر من الروية والتأني والنظر الفاحص الدقيق، كان لنا هذا الحوار المستفيض مع الدكتور محمد بن عبدالله العبدالكريمالأستاذ المساعد بقسم أصول الفقه ـ جامعة الإمام محمد بن سعود، والذي أجاب فيه عن أسئلة تناولت عدداً من القضايا الملحة والمؤثرة في الفكر الإسلامي..
نص الحوار:
يُتهم أحياناً، من يهتم بمقاصد الشريعة وقواعدها ويسعى لإجرائها على الواقع والأحكام الفقهية بأنه ممن يميع هذا الدين، أما تشعرون بقلق على من يعلي من قيمة هذا العلم؟
علم المقاصد يستبقي الفقيه في روح الشريعة.
لقد وضع علماء الأصول: المقاصد في شروط الاجتهاد ، ولم يقبلوا فقيهاً بلا معرفة بالمقاصد، بل لا قيمة لعلمه ما لم يفقه مراد الله تعالى ومراد رسوله عليه السلام.
أما القلق من المقاصد، فهو ناشئ بسبب الخوف من إحلال منظومة المحرمات التي اختلف فيها الفقهاء ولأنها ربما زعزعت سلطة الفقيه.
لدى بعض الفقهاء اعتقاد بأن مسلك التحريم والاحتياط يكفي لحفظ الشريعة. وعلى فرض صحة هذا المسلك إلا أن من المهم التفريق بين دعاوى حفظ الشريعة، والعمل بالشريعة لأجل حفظها.
وسبب آخر: أن الصورة الذهنية عن المقاصد هي الاحتجاج بها في التيسير والتخفيف.
لكن الغريب أن إعمالها في التشديد والإكثار من المحرمات لا يسبب قلقاً!
وسبب ثالث: أن المقاصد تحتاج في الإعمال إلى قدرة على التحليل المنطقي والتركيب والربط، فهي عمل شاق ودقيق يأنف من تصديره من اعتاد النقل عن الآخرين والتزين بأقوال من سبقوه .
بالمقاصد أجاز ابن تيمية طواف الحائض، وإخراج القيمة في زكاة الفطر للحاجة، ووفر على الفقيه الانزلاق في التفاصيل، فالمقصود من الأكل والشرب في الصيام يختصر على السائلين كثرة الأسئلة عما لا يدخل في معناهما، فلا حاجة أن يسأل عن الكحل أو الإبر في العضل أو قطرة الأنف وقطرة العين …
بالمقاصد أسقط الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله تعالى حد القذف عن رجال الهيئة في شهادة زنا لم تكتمل فيه الشهادة معللاً رأيه بأن إقامة الحد عليهم فتٌ في عضدهم، وحد من شوكة سلطتهم على إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقدم الشيخ القول المرجوح وآثره على القول الراجح، وهذا الرأي وإن كان إعمالاً للمقاصد بما يتعارض مع مقاصد أعظم إلا أننا لا نملك إلا الاعتراف للشيخ رحمه الله بنفاذه إلى لبابها وارتوائه من مائها.
إنك إن تأملت في مسألة الميقات مثلاً، فإن الأسهل على الفقيه أن يجمع نصوص الفتاوى في كتب الأئمة التي تلزم حجاج الطائرات والسفن بالإحرام مما يحاذي الميقات
وإن تأملت في نصوص الشريعة العام منها والخاص، الكلي والجزئي، مع نصوص أخرى لا ترتبط بذات المسألة وإنما بأصل المقصد من المواقيت وأصل رفع الحرج والمشقة فإن الفتوى قد تختلف.
الاجتهاد المقاصدي يقدم الرؤية الكلية والعمق الاستراتيجي للشريعة، حتى وإن انتهى مطاف البحث المقاصدي إلى التحريم والمنع، فهي نهاية منطقية عقلية تجبرك على احترام الحكم الشرعي والخضوع له عن قناعة تامة، فيثبت الحكم في قلوب المؤمنين وهم في أتم الاستسلام للشرع.
ألا ترون أن قاعدة “سد الذرائع” قد أسرف كثير من طلبة العلم وربما بعض المعاصرين في إعمالها على كثير من المستجدات التي لم يرد فيها نص صريح؟
هناك أكثر من خطاب إسلامي، والمكثرون من استعمال قاعدة سد الذريعة مقتنعون بأنها حافظت طوال السنوات الماضية على ضرورة العرض، ولولاها لكانت المرأة المسلمة كغيرها من النساء غير المسلمات.
ونوع آخر من الخطاب الإسلامي قيّد سد الذريعة ولم يجعلها مقيِّدة.
ونوع آخر من الخطاب رأى فتح الذريعة في القضايا المستجدة وقضايا المرأة.
ومع أهمية القاعدة، إلا أن التوسع فيها انتهى بنا إلى فقه افتراضي لا حقيقة له اسُتسمنت فيه الأوهام، وتعاظمت فيه الأغلال والقيود، وعاد بالضرر على صورة الشريعة الكلية ومن ثم تشكل الواقع بشريعة أخرى لا علاقة له بمراد الله تعالى أو مراد رسوله عليه الصلاة والسلام.
إن قاعدة سد الذريعة هي في درجة وأهمية قاعدة فتح الذريعة، وهي كما قال القرافي: “اعلم أن الذريعة كما يجب سدها ، فيجب فتحها..
إن قاعدة فتح الذريعة هي في حقيقتها عمل بأقل المفسدتين وأخف الضررين وأهون الشرين، وهي شبيهة بقاعدة : ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، “قال المجدد ابن تيمية : “فقول من قال: يجب التوصل إلى الواجب بما ليس بواجب، صحيح…” فتفتح الذريعة إن أفضت لمصلحة راجحة كما في دفع المال للكفار لفداء الأسرى أو لاستنقاذ البلاد من شرهم وعدوانهم.
هي باختصار: إباحة وسيلة ممنوعة إن ترتب على إباحتها مصلحة.
لدى الكثيرين حساسية من تحول البعض من جهة التشدد إلى الانفلات، كما هو حال جماهير من الشباب لم تُغِلْ في الدين برفق، فما العلاج لأمثال هؤلاء الشباب؟ وما هي الضمانة إن زالت هذه الحساسية؟ وهل أنتم متفهمون لها؟
هؤلاء الشباب الذين تتحدث عن تحولهم، وتطلب أملاً في رجوعهم، هم يبحثون عن مخرج يقيهم سوء الفتن ما ظهر منها وما بطن.
هم نكصوا على أعقابهم لأن مغريات الانفتاح أطاحت باليقين وأحلت فيهم داء النسبية، فلا حقيقة في الوجود سوى عدم الحقيقة.
التحول بالفعل أصبح ظاهرة عالمية: فمن سلطة الدولة الوطنية إلى ظهور سلطة القبيلة والعشيرة والطائفة، ناهيك عن التحول السني الشيعي وتمدده في شمال إفريقيا ومصر ولبنان وإندونيسيا …
التحول القادم قد يزيل دولاً عن الخارطة بسبب ذوبان القطب الشمالي، وعلى المستوى الصحي فإن العلماء اليوم يخشون من تحول السمنة إلى وباء عالمي من الممكن أن يهدد أنظمة الصحة حول العالم.
المدخل الجديد في عالم التحول لدى شبابنا: تلقيهم المعرفة من مصادر معرفية مختلفة لا يستطيع أحد السيطرة عليها وليست لها حدود.
والجميل في تلك المعارف أن أكثرها تنمي الشعور بقيمة الفرد وتكتشف له ذاته.
لقد ودعوا أدوات معارفهم السابقة، لأنها تفضي لمعارف جاهزة تكسب مهارة التقليد ولا تقيم اعتباراً لصاحبها.
بعض المثقفين لهم تحليلهم الخاص فتلك المعارف بقدر إيجابيتها في المجتمعات الواعية أو المتقدمة فإنها تعود سلباً أو تنعكس انحرافاً في المجتمعات النامية وأحياناً تحدث تمرداً على كل الطقوس والتوابيت الميتة التي كانت تزرع فيه حب التقليد والولع بالمرجعيات والنماذج.
بعض شبابنا وهم قلة انتهى إلى مطاف الزندقة والكفر بكل الدين والتدين والمتدينين؛ بسبب أن بعض المتدينين ينسبون تخلفهم ودروشتهم للإسلام والشريعة، ويجنون عليها بفقه أعوج يعود على الشريعة بالإبطال، فآل اكتشاف الذات والعقل للتحرر من كل ما يمد حبال الوصل بالإسلام نقمة من صور التدين التي رسخت في عقله الباطن.
إن الصورة الكلية عن الإسلام لا يمكن استعادتها إلا بجهد يكافئ مشاريع الفتنة الفكرية التي تصوغ شبابنا بعيداً عن معرفة أصول الشريعة.
إن استبقاء الشاب في دائرة إسلام نجدي وإسلام حجازي وشعار سلفي ومذهب حنبلي وتعصب حنفي، تباعده عن عقله وتدخله ضمن سلطة: تحول بينه وبين حرية العلاقة بالله تعالى.
كيف يمكن تربية طالب العلم على الاهتمام بالجانب التطبيقي من أصول الفقه؟
وظيفة علم الأصول الأساسية ليست خدمة الفقه فالأوائل ألفوا كتبهم بعناوين لا تشير إلى العلاقة بالفقه كما في المستصفى للغزالي والمحصول من علم الأصول للرازي..
وظيفته الرئيسة إعداد طالب مفكر، يجمع إلى علمه الشرعي نمطاً فكرياً يفهم به فلسفة الشريعة، فإذا كتب في الفقه أنتج فقهاً منحازاً للتأمل وليس للمذهب.
هكذا تعلم الإمام الجويني الأصول، فأنتج للأمة الإسلامية كتابه العظيم نهاية المطلب الذي حققه الشيخ الدكتور عبدالعظيم الديب.
شيخ الإسلام ابن تيمية لو لم يكن أصولياً مفكراً بارعاً لأخفق في استعمال القواعد الأصولية ولمات كما يموت عوام الناس.
لا أخفيك أن أكثر سادة الأصول مقتنعون بأهمية التطبيق لكنهم عاجزون عن الوفاء بالقناعة، فهي شاقة، وتحقيق مناط القاعدة الأصولية على غير الأمثلة التي كتبها الأوائل يكتنفه بعض المخاطر التي يخشاها من لم يعتد على سماع نقد الآخرين.
أكثر شيوخ الأصول الذين أعرفهم لا ينقصهم الذكاء الشديد أو الفهم الدقيق، إلا أنهم قضوا أعمارهم في العناية بالموضوعات الأصولية التقليدية فأنتجت تطبيقات لا تخرج عن إطارها التقليدي.
الواجب الذي ينتظر الأصوليين:
صناعة فكر المصلحة العامة في الأمة.
إدماجه في قضايا السياسة الشرعية.
تصديره في فقه الأنظمة وصياغة القوانين.
تحديد علاقة المصطلحات الحديثة بعلم أصول الفقه.
الاتجاه به لقضايا تجديد الخطاب الديني، وتجديد فهم الوحي، والدراسات الاستشراقية الأصولية، والمناهج الحديثة في تفسير النصوص..
إعادة صياغته ليسهل استعماله في الخطط الاستراتيجية لقضايا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقضايا الجهاد والدعوة وحقوق الإنسان
هذه القضايا سوف تحي شيخ الأصول، وتربطه بالحراك الفكري والدعوي والعلمي والمستجدات الحديثة في الأنظمة والقوانين …، وسوف ينعكس ذلك على تدريسه لطلابه.
هل ترون أن فن المقاصد قد استوفى حقه من الدراسة والتدريس والفعالية في الممارسة من جانب الفقهاء؟
الكليات الشرعية حالياً تقصر دراسة المقاصد في الدراسات العليا، أما خارج النطاق التعليمي، فهناك مركز دراسات المقاصد في لندن، يشرف عليه الدكتور محمد سليم العوا، وهناك جهود يبذلها مجمع الفقه الدولي لإخراج معلمة القواعد التي تضم قواعد المقاصد بإشراف الدكتور أحمد الريسوني، وقامت قناة دليل الفضائية مشكورة بتنفيذ برنامج خاص عن مقاصد الشريعة استضيف فيه عدد كبير من المهتمين بالمقاصد، ومؤخراً تم إنشاء مركز التميز للقضايا الفقهية المعاصرة الذي يرأسه الأستاذ الدكتور عياض السلمي وهو علم من أهم أعلام أصول الفقه في العصر الحاضر، وقد دار في حلقة النقاش الأولى مداخلات مهمة عن تبني المنهج المقاصدي في معالجة القضايا المعاصرة.
هناك على كل حال اهتمامات واسعة وتحولات داخل الخطاب الديني يتجه للعمل بالمقاصد، ولعل خطاب الشيخ الدكتور سلمان العودة يعد الأبرز والأسرع في معالجاته الجديدة التي تبينت الفقه المقاصدي.
هذه بعض الجهود حول فعاليات المقاصد.
أما الممارسة الفقهية للمقاصد، فقد اتضحت بشكل واضح في قرارات المجامع الفقهية، وفي التحول الكبير الذي شهدته المصرفية المالية في العشر سنوات الماضية، نتج عن ذلك تحول عدد من البنوك في الداخل والخارج للمصرفية الإسلامية.
أما على مستوى الإصلاح التشريعي فكان للفقه المقاصدي الدور الأكبر وقد شهدنا جهوداً فردية بادر بها بعض الإصلاحيين، استهدفت إصلاح بنية الأنظمة التشريعية والقضائية ولا زالت تنتقل من طور لآخر.
بعدما بان عجز الفقه المعني بالشأن الفردي عن الإيفاء بالمتطلبات، اتجه الخطاب الإسلامي يبحث عن الفقه الجماعي ولم يجد سوى المقاصد التي طالما تباعد عنها منشغلاً بالعصبية المذهبية التي أذهبت روح الشريعة، وبقي الإمام والمذهب هما المقصد الذي يراعيه الفقيه.
ما الذي تخشونه على “التكوين النفسي لطالب العلم” إذا ما أثرت الشكليات على رسالته وسلوكه وأدائه؟
سؤالك يرتبط بتأثير الثقافة على السلوك، أو كما يقول روسو: ثقافة المرء هي التي تحدد سلوكه.
وطلبة العلم منهم الفقيه ومنهم الأصولي ومنهم المحدث.. ومنهم الذي يجمع الفنون.
فالأصولي اشتهر بسلوكه الصارم مع الآخرين وربما بمزاجه الحاد، بسبب أن مزاج الجسم تابع لأخلاق النفس كما يقول أبو بكر الرازي، فالثقافة الأصولية تنتج سلوكاً صارماً، فتؤثر على طبيعة التكوين النفسي لطالب الأصول!
وفي الجملة فإن فئة من طلبة العلم يعيشون مأزقاً نفسياً في التعامل مع الحياة، هناك طقوس ومقدمات تقيد حركتهم، وتبقي الكثير منهم حبيس مظهره ومنصبه ومكانته، تلك المظاهر والشكليات لم تكن عوناً لمجالسة الناس في أسواقهم ومقاهيهم، بل هي سبب في عزلة سلبية، فهو لا يستسيغ الدخول على الناس في مباسطهم، وهم لا يرحبون به، وربما شعر أن هيبته تفرض عليهم واجب القيام له، واحترامه والصمت له إذا تكلم وعدم الاعتراض عليه إن أفتى، وهو في داخل نفسه يرى أن أكثر الناس لا تقدر العلماء ولا طلبة العلم، فهو يتطلب الاحترام والتقدير، ويتسول الوجاهة بعلمه، وكم من مرة تسمع بعض شيوخ العلم وطلبته أن الناس لم يقدروا وجاهته، ومكانته، وكأن المطلوب من عامة الناس بسط وجوههم وحسن الصمت والاستماع لمجرد أن إنسان ما اتصف بهذا الوصف
الله تعالى قال في كتابه الكريم (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) فإن لم تجد بين الناس احتراماً، فاعلم أن الله تعالى لم يكتب لك التوفيق والرفعة، وأن علمك ليس علماً يحبه الله تعالى ليرفعك به أمام الآخرين.
كيف خسرت الأمة بغياب الفقه المقاصدي عن تعاملها السياسي مع الأحداث الفاصلة في عصرها الحديث؟ وكيف تراه قد أثر غيابه عن قيادات بعض الفصائل الإسلامية؟
خسرت الأمة لأنها فقهها لم يقصر المذهبية على التعليم والتدريس، بل وظف في اتجاه سلبي انتهى إلى الانتماء والتحيز، وفقه التحيز لا يميز، ثم تكونت الفصائل الإسلامية بجذور ثفافة دينية منتمية متعصبة ضد الآخر وليست مبينة وفق دليل ومقاصد شرعية، تحولت تدريجياً من عصبية للدين إلى عصبية للوجود والحزب والفصيل.
إن أكثر الناس انفتاحاً أقلهم انتماءً للمذاهب والعصبيات والقبليات، وأقل الناس انغلاقاً أكثرهم التصاقاً بالدليل والعناية بالمقاصد.
الفقه المقاصدي فقه يولي النهضة مكانتها اللائقة بها، ويعلم أن الهوية ليست تصان بقواعد الحفظ، بقدر ما تصان بقواعد التحدي والمنافسة.
إن كل نهضة وحضارة هي منتج لثقافة واعية، والثقافة الواعية ليست تلك الحاضرة في التفاصيل فقط، بل القادرة صياغة على ابتكار حلول مع القدرة أيضاً على حفاظها على سماتها العامة.
في حالة كالصومال، في نظركم أيها أجدى لأهلها، تطبيق متدرج للشريعة لا يستفز أعداء البلاد، أم إقامة نظام ذي امتداد خارجي يطلب حرفية التطبيق؟
الشريعة الإسلامية ليست قوالب تركب بطريقة آلية.
إن الحكم الشرعي لا يعمل إلا بشروط، فإن لم تتوافر الشروط فلا يمكن إنزاله في أرض ليست أرضه.
إن عمر رضي الله عنه أوقف حد السرقة في عام المجاعة، لأنه لم يجد واقعاً مناسباً لإنزال الحكم الشرعي.
والمهم أيضاً ألا يكون تطبيق الشريعة ملخصاً في بضعة مسائل ليتم بعد ذلك المتاجرة بأن الصومال دولة الشريعة!
لاحظتم في دراسة لكم أن أثر القنوات “الإسلامية” عموماً هو دون المستوى المرجو، ولو تقدمت “ظاهرياً” على غيرها، كونها مع كثرة مشاهديها لم تحقق ما كان مأمولاً منها؛ فأي حلول ترونها ناجعة ليؤتي “الإعلام الإسلامي” ثماره؟
الإعلام قوة، والقوة تحتاج إلى حسن تدبير وقوي أمين.
قادة الإعلام الإسلامي عندهم قناعات ولديهم موازنات، ولديهم قلق وخوف، وحولهم أنصاف الإعلاميين.
حملوا رسالة الإعلام، ولم يستطيعوا اختيار حوارييهم بعناية، بل اعتمدوا كثيراً على صداقات قديمة وعلاقات شخصية! ودخلوا الميدان بأسلحة ناعمة فكيف ينتظرون منتجاً منافساً؟!
أما أهم الحلول التي أراها:
ـ أن تطور القنوات نموذجها ( القدوة ) لأنها تصنع الأفكار من خلاله، فإن كان نموذجها بسيطاً سطحياً، فكذلك تأثيراته على مشاهديه سيكون ضعيفاً.
أدرك سدنة الإعلام الأجنبي قانون صناعة النجم فمن خلاله يتم توجيه الرغبات وتحويل المشاهد إلى تابع مستسلم.
الإعلام الإسلامي أدرك مبكراً هذه الحقيقة ونجح في الشريط فعمت الصحوة أرجاء الكون، لكنه في الصورة المرئية لا زال يحرق الشخصيات ولا يصنعها لكثرة تكرار ظهورها الباهت ولعدم ترتيب الرؤية والهدف.
ـ أن تتحول القنوات الإسلامية التي تقصد وجه الله تعالى إلى قناة متحدية، تطرح بضاعتها كما يطرح الآخرون بضائعهم وعليها أن تثق في ذوق المشاهد وألا تفرض عليه رأيها.
أن تستعين القنوات الإسلامية ببيوت الخبرة العالمية، وأن تضع لها المستشار الأمين.
أن تدرب طاقمها الإعلامي على يد خبراء الإعلام في الداخل والخارج
أن تشتري الأفكار ولو بالأثمان الباهظة إن كانت تستحق
أن تحسن عرض آراء المتشددين الذين يحيطون بها
أن تقدم الأفكار على الأشخاص
ألا ترفع شعار إسلامية فوق سطوحها
أن تضع المصلحة العامة فوق الجميع
أن تتحول تدريجياً إلى الدراما
أن تقود المسرح والفن وتتعامل مع المواهب الفنية دون استذكار لسيرتها الفنية، فكل مبدع يستطيع خدمة الإسلام فحيهلا.
ما الذي يمكن أن ينتجه إعلام إسلامي يقتصر على الجانب الوعظي بمعظمه في نظركم؟
القرآن الكريم كله مواعظ، من مبتدأه حتى منتهاه، والمتخصصون في علوم القرآن عليهم واجب استكناه أسرار المواعظ، وجمعها في موسوعة علمية، تبين أساليب القرآن في الموعظة.
إن جوهر الموعظة في القرآن صناعة روح الإنسان، فالروح هي الطاقة الفاعلة، بها يجوب الأرض ويحقق قوله تعالى: (هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها).
الموعظة القرآنية صنعت القادة، عمت الأرض بنهضة شاملة، قامت بالمواعظ القرآنية حضارة إسلامية، فمن غير المعقول أن يكون الوعاظ الحاليون يمثلون حقيقة مراد الشريعة ومقاصدها في الوعظ.
سينتهي الأمر بالتأكيد إلى حالة إشباع وإملال، وسيفقد المشاهد طعم السنة والقرآن، لكثرة تردادها بالأنماط التقليدية الحالية.
هناك بالفعل أزمة في الوعظ، فهو الأعلى صوتاً وخراب الذمم الأعلى مبيعاً!
فهل الوعظ بحالته الراهنة لا يدرك حقائق النفس البشرية؟ وحاجاتها الفطرية؟
أكثر وعاظ القنوات الإسلامية ليسوا على علاقة بقوانين السلوك البشري وعلم الإنسان الذي من خلاله يفهم الواعظ حركة المجتمع والأفراد.
من يقرأ إحياء علوم الدين للإمام الغزالي رحمه الله، يدرك أن الغزالي من علماء السلوك، ولو قامت قناة إسلامية فضائية بمشروع تحويل كتابه إلى مادة إعلامية من خلال وسائط متخصصة تجمع إلى التخصص قدرات فنية وإعلامية لكان للوعظ قيمة أخرى.
الوعاظ يحفظون سير الصالحين من كتب السير المليئة بالصناعة والروايات الضعيفة والموضوعة ثم يتلونها في القنوات معتمدين على عاطفة المشاهد دون احترام لقوانين الوعظ في القرآن الكريم أو السنة المطهرة.
من أهم ما يلاحظ على منطق الوعظ الحالي أنه منطق إدانة وتهمة في جانب، ومنطق تبريري في جانب آخر.
هؤلاء الوعاظ أكثرهم يهاجم في وعظه الفقراء والمساكين وينسب العقوبات الإلهية لتقصيرهم وتفريطهم في جنب الله، لكنهم لا يتورعون عن نسبة النعم والفضائل للحكام، فكأنما البلاء والعقوبة بسبب ذنوب المساكين، والنعيم المقيم بسبب السلاطين
منطق الوعاظ يفضي إلى صراع نفسي عنيف، عواقبه في الغالب ارتباك في السلوك، بسبب عدم الموازنة بين المثل العليا التي يتطلع لها كل إنسان، وغرائزه الأخرى التي تجذبه فلا يستطيع الخلاص منها؛ فالواعظ يبحث عن إنسان مثالي لا توجد صورته إلا في الأذهان.
كيف تقومون التجربة الإعلامية الإسلامية من حيث النتائج الإيجابية والسلبية؟
التجربة الإعلامية الإسلامية لا زالت بكراً، وهي تسعى مساعي مختلفة للتطوير وتظهر كل يوم بحالة جديدة، واستطاعت في العشر سنوات الماضية صناعة إعلام لم يكن موجوداً، ونجحت في تأسيس قنوات وبرامج ومؤسسات إعلامية وإنتاجية وتكوين إعلاميين ومذيعين.. وإنجازاتها لا زالت تتواصل.
وقد يكون من المبكر تقييم التجربة حالياً لكن من المؤكد أن تساؤلات هامة قد تحدد شكل التجربة الإعلامية الإسلامية مستقبلاً:
التجربة الإعلامية الإسلامية تقوم على فكرة البديل عن الإعلام غير الإسلامي وليست بديلاً شاملاً، بل التركيز على السلوك والأخلاقيات العامة، لكنها لم تطرح نفسها بديلاً عن الإعلام المؤثر في صياغة الأفكار وتشكيل عقول الناس لكي يسهل تسييرها وفق أهواء السياسة.
حينما نتساءل عن سر تمكن اليهود من الاقتصاد العالمي وسيطرتهم على مجريات السياسة الدولية، نجد في المقام الأول أن الميديا هي الحديقة الخلفية لكل سياسات السيطرة فمنها توجه الرغبات.
اليهود لا يملكون الإعلام فقط، بل يملكون المعلومات والاحتراف في وسائل عرض الأفكار، هم ليسوا في معركة مع أحد، لأنهم يملكون التوجيه والتأثير، فالعقول تتبعهم ولا تتبع غيرهم.
وهنا ينشأ سؤال ضروري :
هل لدى الإعلام الإسلامي قدرة على تكوين رؤية فكرية عالمية محترفة تتحدى الفكر الصهيوني من دون لبوس الأدلجة ومن دون استرجاع الفكر الصراعي السلبي؟
إذا كانت قنوات إسلامية معتدلة تشرف على صناعة الفكر الصراعي وتضعه في أولوياتها فهل تتوقع نجاح التجربة الإعلامية الإسلامية على مستوى خارج نطاق الإسلاميين وأحبابهم؟!
هل يستطيع أن يقدم الإعلام الإسلامي التأثير والفكر الإيجابي في إناء واحد؟
هل في القنوات الإسلامية برنامج يستحق أن يدفع فيه التاجر عشرة آلاف ريال على دقيقة إعلان؟!
في القنوات الأخرى التي لا تصنع سوى فكر الشهوة ستجد سعر الدقيقة تصل لأضعاف هذا الرقم.
التجربة الإعلامية الإسلامية لا زالت تسير في فلك الحفاظ على الهوية، وتحت ضغط سلطة الجمهور.
فالبرامج تدفع باتجاه الحفاظ على رأس المال فقط، ولا تستثمر في المنافسة، ربما للمخاطرة العالية، ولعدم القدرة على التأهل، وطواقمها الإدارية والفنية وقدراتها المالية ليست جاهزة للتحديات.
وقبل هذا وذاك تحتاج التجربة الإعلامية إلى تكامل وتعاون واتحاد فيما بينها أو بين المتشابه منها..
المصدر: http://almoslim.net/node/118277